الشعور بأنك في مكان دعوت الله لسنوات أن يكتبه لك

The Feeling Of Being Somewhere You’ve Prayed About For Years
هناك شيء غريب في الوصول إلى مكان عرفه قلبك لسنوات. ربما كانت مكة مألوفة لك قبل أن تطأها قدماك بوقت طويل؛ كنت تعرف شكل الكعبة من الصور، وتعرف الحشود من مقاطع الفيديو، وتسمع القصص ممن سبقوك إليها، لكن لا شيء من ذلك يمكن أن يهيئك لما ستشعر به عندما يتوقف المكان عن كونه مجرد صورة ويصبح واقعاً يحيط بك. لسنوات، ربما كانت العمرة أمراً تذكره مقروناً بكلمة "إن شاء الله"، شيئاً تأمل حدوثه عندما يحين الوقت المناسب، وتتيسر الظروف، ويفتح الله لك الطريق. ربما اعتدت على الانتظار لدرجة أنك توقفت عن تخيل كيف ستكون تلك اللحظة الفعلية. وفجأة، تجد نفسك تسير في مكان لم تكن تراه إلا من بعيد، وتأتيك الفكرة بهدوء تام: "أنا هنا بالفعل". لا يوجد إعلان للحظة التي يصبح فيها دعاء طال أمده جزءاً من واقعك. أنت ببساطة هناك، محاط بأناس يمارسون عباداتهم، بينما يحاول شيء ما بداخلك أن يستوعب حقيقة أن هذا لم يعد مكاناً تسأل الله رؤيته، بل هو مكان تراه الآن بعينيك!

ما تحمله معك
ربما ما يجعل العمرة تجربة شخصية للغاية هو أنك لا تصل إليها وحيداً أبداً، حتى وإن سافرت بمفردك. أنت تصل حاملاً معك سنوات من عمرك. تجلب معك ما مررت به، والأشخاص الذين تحبهم، والأسئلة التي لم تجد لها إجابة قط، والأخطاء التي تتمنى لو كان بإمكانك محوها، والآمال التي لا تزال تخشى البوح بها بيقين. قبل المغادرة، ربما تخيلت أن لديك قائمة طويلة من الأدعية جاهزة ومنظمة بعناية في ذهنك، ولكن بمجرد وصولك، يبدو أن قلبك يضع قائمته الخاصة. يتبادر إلى ذهنك اسم أحد والديك، ثم أخ أو أخت، ثم صديق طلب منك ذكره في دعائك، ثم شخص يمر بضائقة، ثم من رحل عن هذه الدنيا، ثم في النهاية، تتذكر نفسك. تفكر في جوانب حياتك التي عادة ما تخفيها خلف جدول أعمالك المزدحم وأحاديثك اليومية، وفجأة تجد نفسك واقفاً في مكان يجعل من الطبيعي أن ترفع كل تلك الأمور إلى الله. لست بحاجة إلى كلمات منمقة بالضرورة؛ ففي بعض الأحيان تجلس في هدوء وتدرك أن الله يعلم مسبقاً تلك الجملة التي تجاهد لإتمامها. ربما هذا هو أحد أكثر جوانب وجودك هناك خصوصية: أن الآلاف قد يقفون حولك، ومع ذلك يظل حوارك مع الله يبدو خاصاً تماماً.

الواقع الذي لم يصوره أحد
ما لا تتخيله دائماً قبل العمرة هو كيف يمكن للأجزاء العادية من التجربة أن تصبح الذكريات التي تعتز بها أكثر من غيرها. أنت تتخيل اللحظات العاطفية، ورؤيتك الأولى للكعبة، والطواف، والدعاء، والشعور بالذهول، لكنك لا تتخيل بالضرورة نفسك وأنت تبحث عن حذائك، أو تشعر بالتعب بعد المشي، أو تحاول العثور على عائلتك وسط الزحام، أو تجلس لأن قدميك تؤلمانك، أو تدرك أنك جائع رغم أنك ظننت أنك لن تفكر في شيء سوى العبادة. ومع ذلك، فإن تلك اللحظات هي جزء من القصة أيضاً. إنها تذكرك بأنك لا تزال بشراً، حتى في مكان أمضيت سنوات تحلم به، ولعل ذلك يجعل التجربة تبدو أكثر صدقاً لا أقل شأناً. ليس عليك أن تقضي كل ثانية وأنت غارق في مشاعرك لكي تكون الرحلة ذات معنى. ستكون في بعض الأوقات عاطفياً للغاية، وفي أوقات أخرى ستشعر ببساطة بالتعب. أحياناً يبقى معك دعاء معين، وأحياناً تتذكر شيئاً بسيطاً كجلوسك في صمت بعد الصلاة وتأملك لما حولك. بعد سنوات، قد لا تتذكر كل فكرة عميقة خطرت ببالك، لكنك قد تتذكر لحظة عادية تماماً جعلتك تفكر فجأة: "مهلاً، أنا في مكة". هناك شيء جميل في ذلك النوع من الإدراك لأنه لا يحتاج إلى دراما؛ فالعادي يصبح لا يُنسى ببساطة بسبب المكان الذي كنت فيه حين حدث ذلك.

اللحظة التي لا ترغب فيها بالمغادرة
الشيء الغريب في الوصول أخيراً إلى مكان انتظرت سنوات لرؤيته هو أنه بمجرد أن تعتاد على وجودك هناك، تبدأ في إدراك أن عليك المغادرة. في البداية، تنصبُّ كل طاقاتك على الوصول والاستقرار واستيعاب كل شيء، ولكن في النهاية يبدأ عدد الأيام في التناقص، وتخرج الحقيبة من جديد، وتبدأ الفكرة التي طالما تجاهلتها بالاستقرار في ذهنك بهدوء: "أنا عائد إلى المنزل". قد تجد نفسك تنظر إلى الأشياء بطريقة مختلفة قليلاً لأنك تعلم أنها ستصبح قريباً مجرد ذكريات. تنظر إلى الكعبة لفترة أطول، وتلتفت إلى ذلك الطريق الذي كنت تسير فيه دون أن تلاحظ، أو تقرر ألا تلتقط المزيد من الصور لأنك تفضل فقط الوقوف هناك والنظر. وعندها تفهم شيئاً لم يكن بإمكانك فهمه من قبل: يمكنك أن تشتاق إلى مكان لم تطأه قدماك من قبل. قبل العمرة، كانت فكرة الشوق إلى مكة قد تبدو غريبة، فكيف تشتاق لمكان لم تجربه قط؟ ولكن بعد ذلك، تدرك أنك لا تشتاق إلى موقع جغرافي فحسب، بل تشتاق إلى النسخة التي كنت عليها هناك، وهدوء لحظات معينة، وإيقاع أيامك، وذلك الشعور بمعرفة مكانك بدقة. العودة إلى المنزل قد تبدو سريالية؛ فبيتك هو نفسه، وغرفتك هي نفسها، ومسؤولياتك لا تزال تنتظرك، والعالم لم يتوقف أثناء غيابك، ومع ذلك فقد عدت بذكريات لم تكن موجودة حين رحلت.

خاتمة
ربما لا يمكن تفسير شعور الوجود في مكان دعوت الله لسنوات أن يرزقك زيارته، لأن الأمر لا يتعلق بالمكان فحسب، بل بلقاء نسخة من ماضيك. في مكان ما من ذاكرتك، يوجد ذلك الشخص الذي تمنى هذا يوماً ما، ربما كان يجلس في منزله بعد الصلاة، يتابع صور عمرة شخص آخر، أو يسمع أحداً يتحدث عن مكة، أو ببساطة يهمس بدعاء دون أن يعرف هل سيتحقق أو متى سيحدث ذلك. ثم مضت الحياة، كما تفعل دائماً، وبشكل ما، أصبحت أنت ذلك الشخص الواقف هناك. أعتقد أن هذا ما يجعل الذكرى مختلفة عن ذكريات الإجازات العادية: فأنت لا تتذكر فقط أين ذهبت، بل تتذكر ما كان يعنيه أن تتمنى شيئاً بهذا العمق ثم تجد نفسك تعيشه. ربما لا تعود إلى المنزل وقد تغيرت تماماً، وربما لا تحتاج لذلك. ربما تعود فقط وأنت تدرك أن هناك لحظات في الحياة لا يمكن فرضها، أو جدولتها، أو فهمها مسبقاً. إنها تأتي حين يأتي أوانها، وحين يحدث ذلك، فكل ما يمكنك فعله أحياناً هو النظر حولك وتقدير حقيقة أنك تقف داخل شيء لم تكن تعرفه يوماً إلا كدعاء. بعد سنوات، قد تتلاشى التفاصيل، وقد تُدفن الصور بين آلاف غيرها، وقد يصعب تذكر ترتيب أيامك بدقة، ولكن نأمل أن يظل شعور واحد باقياً: دهشة إدراك أن مكاناً قضيت سنوات تسأل الله عنه قد أصبح أخيراً مكاناً وقفت فيه بقدميك. ربما هذه هي الذكرى التي تستحق أن تبقى أقرب إليك؛ ليس فقط "ذهبت إلى العمرة"، بل "كان هناك وقت لم يكن فيه هذا سوى دعاء، وقد رزقني الله أن أعيشه".
نسأل الله أن يدعونا إلى بيته، وأن يتقبل كل دعاء ندعوه هناك، وأن يرزقنا فرصة تجربة العمرة مع أقرب الناس إلى قلوبنا. - آمين